مارس
02

مناهج البحث في علم اللغة

مصنف في : علم اللغة | بواسطة إبراهيم

عرفت الدراسة اللغوية، ثلاثة مناهج هي: المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج المقارن.

أما المنهج الأول، فيكتفي بوصف أية لغة من اللغات عند شعب من الشعوب، أو لهجة من اللهجات، في وقت معين، أي أنه يبحث اللغة بحثا عرضيا لا طوليا، ويصف ما فيها من ظواهر لغوية مختلفة، ويسجل الواقع اللغوي، تسجيلا أمينا. بل إن “أنطوان مييه” “A. Meillet يذهب إلى أبعد من هذا، حين يرى أن المنهج الوصفي “يعني بدراسة الاستعمال اللغوي في عمومه، عند شخص بعينه، في زمان بعينه، ومكان بعينه”([1]).

فالمنهج الوصفي يقوم على أساس وصف اللغة أو اللهجة في مستوياتها المختلفة، أي في نواحي أصواتها، ومقاطعها، وأبنيتها، ودلالاتها، وتراكيبها، وألفاظها، أو في بعض هذه النواحي، ولا يتخطى مرحلة الوصف. والأطالس اللغوية مثال من أمثلة تطبيق هذا المنهج الوصفي على اللغات واللهجات، فهي لا تعرض علينا سوى الواقع اللغوي مصنفا، دون تدخل من الباحث بتفسير ظاهرة، أو تعليل لاتجاه لغوي، هنا أو هناك.

وغالبا ما تنصب هذه الدراسة الوصفية، على اللغات واللهجات المعاصرة “وإن كان بعض العلماء، قد قاموا بمحاولات لدراسة اللغة، دراسة وصفية في زمن معين في الماضي”([2]).

وكان من أكبر الباحثين، الذين أثروا في مجال الفصل بين الدراسات الوصفية والتاريخية، العالم السويسري: “فردينان دى سوسير” F de Saussure “1857-1913″ الذي وضع حرج الأساس في الدراسات

اللغوية البنيوية أو الوصفية، وأثار في كتابه: “محاضرات في علم اللغة العام” Cours de Linguistique generale الذي نشر بعد وفاته سنة 1916م، وجهة نظر جديدة “إذ اعتبر اللغويات الوصفية، لا تقل أهمية عن اللغويات التاريخية، كما حدد وظيفة كل منهج وحدوده”([3]).

وقد شهد القرن العشرون مدارس لغوية وصفية متعددة، أهمها:

1- المدرسة اللغوية البنيوية:

Structutal Linguistics

2- مدرسة النحو التوليدي التحويلي:

Transformational – Generative Grammar

3- مدرسة القوالب:

Tagmemec Analysis

وفيما يلي نكشف النقاب عن خصائص كل مدرسة من هذه المدارس:

1- المدرسة اللغوية البنيوية:

يعد “دي سوسير” من العلماء الأوائل، الذين مهدوا الطريق لهذه المدرسة، في محاضراته بجماعة جنيف “1906-1911م” التي جمعها طلابه بعد وفاته سنة 1913م في كتابه المشهور: “محاضرات في علم اللغة العام” وأصدروه سنة 1916م بالفرنسية، ثم ترجمة. Wade Baskin بعنوان: Course in general Linguistics في عام 1959م.

وقد فرق “دي سوسير” بين ما يمكن أن يسمى باللسان La Langue وما يمكن أن يسمى بالكلام La Parole أما اللسان فيقصد به أنواع الأنظمة وأنماط الأبنية، التي تعود إليها منطوقات اللغة. أو هو بعبارة أخرى: نظام من المواضعات والإشارات، التي يشترك فيها جميع أفراد مجتمع لغوي معين، وتتيح لهم من ثمة الاتصال اللغوي فيما بينهم. وأما الكلام، فهو في رأي دي سوسير: كلام الفرد، أو المنطوقات الفعلية نفسها([4]).

ويتصف اللسان بأنه اجتماعي، وجوهري، ومجرد، ومستقل عن الفرد، بعكس الكلام الذي يتوقف على الإرادة والذكاء عند الفرد([5]).

كما بين “دي سوسير” أن كل لسان ينبغي أن يتم تصوره ووصفه على أنه نظام من العناصر المترابطة، على المستويات الدلالية والنحوية والصوتية، لا على أنه تراكم من كيانات قائمة بذاتها. وقد عبر عن نظريته تلك بقوله: “إن اللسان شكل لا مادة”. وعلى هذا المدخل البنيوي للغة، يقوم صرح علم اللغة المعاصر بأسره، وهو الذي يسوغ دعوى “دي سوسير” باستقلال علم اللغة، ليصبح علما قائمًا بذاته([6]).

وممن تأثر بنظرية دي سوسير: العالم “فرانز بوعز” Franz Boas الذي كان مهتما -وهو من علماء الأنثروبولوجيا- بالوصف المفصل للفونولوجيا، أي النظام الصوتي في لغة من اللغات، ثم ينتقل بالتالي إلى وصف المورفولوجيا أو النظام الصرفي فيها في مستوى الكلمة “Word” والعبارة “Phrase”. وقد نادى “بوعز” بضرورة دراسة كل لغة على حدة، وفقا لأحوالها الخاصة. وقد أصبح رأيه هذا فيما بعد، أحد المعتقدات الأساسية في الدراسات الوصفية في أمريكا.

وجاء بعد “بوعز” تلميذه: “إدوارد سابير” Edward Sapir الذي كان يؤمن بضرورة وصف كل لغة، وفقا لأحوالها الخاصة، كأستاذه ولكنه لم يكن مؤمنا بالفئات أو الوحدات اللغوية المتواضع عليها كأجزاء الكلام، بل كان يرى أن الوحدات الأساسية، كالاسم والفعل، والعمليات النحوية الأساسية، كترتيب الكلمات هي أمور قائمة في جميع اللغات التي يحتمل أن تكون لها عناصر كلية مشتركة، وذلك في المستويات الأساسية الكبيرة، التي تقوم عليها اللغات. وكان تركيز “سابير” على العقل والفكر، موضع اهتمام علماء اللغة التحويليين.

وجاء بعد “بلومفيلد” Leonard Bloomfield الذي أسهم في تطوير المدرسة اللغوية البنيوية، وتوضيح قوانينها، ووضع مناهجها الأساسية. وقد هيمن كتابه: “اللغة” Language الذي نشر سنة 1933م، على معظم الدراسات اللغوية، في السنوات الثلاثين التالية لصدوره.

وكان “بلومفيلد” من أتباع السيكولوجية السلوكية في دراسة اللغة، مما جعله يرفض تركيز “سابير” على العقل، ويقصر عمله على مراقبة الظواهر الخارجية القابلة للقياس، والتي يمكن فيها تطبيق مبدأ “المثير” و”الاستجابة”. كما اهتم بالقياس اللغوي، مع عدم الانصراف عن أخذ المعنى في الحسبان. وإن كان يقرر أن اعتبار المعاني يعد أضعف نقطة في دراسة الغة. وهو يعتقد أن وصف لغة من اللغات ينبغي أن يبدأ بالفونولوجيا. وقد حاول أتباعه أن يطبقوا هذا المبدأ نفسه في دراستهم للمورفولوجيا أو الصرف، ونظام الجملة، بل إنهم ذهبوا شوطا بعيدا حين حاولوا استبعاد المعنى من دائرة التحليلات اللغوية.

وتتبع هذه المدرسة في تحليل الجملة منهجا مبنيا على أساس أنها مؤلفة من طبقات من مكونات الجملة، بعضها أكبر من بعض، إلى أن يتم تحليلها إلى عناصرها الأولية من الكلمات والمروفيمات. وفيما يلي مثال يبين بشكل مجرد، مختلف العلاقات القائمة بين العناصر المختلفة التي تكون الجملة([7]).

2- مدرسة النحو التوليدي التحويلي:

أدت الرغبة إلى تبني منهج عقلي في دراسة اللغة، إلى نشوء طريقة جديدة عند علماء اللغة الأمريكان، أطلقوا عليها اسم: “علم اللغة التحويلي” Transformational Linguistics وقد رفضت هذه المدرسة الجديدة كثيرا من الأسس التي ارتضتها المدرسة البنيوية.

وعلى رأس علماء المدرسة التحويلية التوليدية في دراسة اللغة: “هاريس” Harris وتلميذه “تشومسكي” Chomsky. وقد كان لهما أكبر الأثر في نشوء علم اللغة التوليدي والتحويلي. أما “التوليدي” فهو علم يرى أن في وسع أية لغة أن تنتج ذلك العدد اللانهائي من الجمل التي ترد بالفعل في اللغة. وأما “التحويلي” فهو العلم الذي يدرس العلاقات القائمة بين مختلف عناصر الجملة، وكذلك العلاقات بين الجمل الممكنة في لغة ما.

ويعد “هاريس” الأب الحقيقي لعلم اللغة التحويلي، و”تشومسكي” الأب الحقيقي لعلم اللغة التوليدي. كما أدخل الأخير كثيرا من التعديلات على علم اللغة التحويلي عند “هاريس”. وقد نشر “هاريس” بحوثه بين 1952 و1957م، وعرف التحويل بأنه عملية نحوية تغير ترتيب المكونات في داخل جملة ما، وبوسعها حذف عناصر أو إضافتها أو استبدالها.

3- مدرسة القوالب:

تشارك هذه المدرسة “تشومسكي” وجهة نظره القائلة بوجود جانبين في دراسة اللغة، هما: جانب الكفاءة، وجانب الأداء، وترى هذه المدرسة أن مهمة علم القواعد في أسسه الأولية، تتمثل في إعطاء نموذج، أو لنقل صورة لجانب الكفاءة، وهو جانب غير واعٍ في معظمه، شأنه في ذلك شأن استعمال الناس للغة بالاعتماد على آثاره التي تتجلى في جانب الأداء، الذي تسهل ملاحظته ورصده.

وترى هذه المدرسة أن التحليل اللغوي، يعني طائفة من الإجراءات لوصف اللغة. ويعتمد على وحدة نحوية أساسية، تسمى: “القالب” Tagmeme وترد هذه الوحدة ضمن مركب على هيئة سلسلة، وتقع ضمن مستويات معينة من المستويات النحوية.

وقد قام بتطوير هذه النظرية ونظامها اللغوي: “كينيث بايك” Kenneth Pike واستخدمها معهد Summer للغويات.

 

المنهج التاريخي :

المنهج التاريخي في الدرس اللغوي، عبارة عن تتبع أية ظاهرة لغوية في لغة ما، حتى أقدم عصورها، التي نملك منها وثائق ونصوصا لغوية، أي أنه عبارة عن بحث التطور اللغوي في لغة ما عبر القرون، فدراسة أصوات العربية الفصحى دراسة تاريخية، تبدأ من وصف القدماء لها من أمثال الخليل بن أحمد، وسيبويه، وتتبع تاريخها منذ ذلك الزمان، حتى العصر الحاضر، دراسة تدخل ضمن نطاق المنهج التاريخي. ومثل ذلك يقال عن تتبع الأبنية الصرفية، ودلالة المفردات، ونظام الجملة.

وإذا كان علم اللغة الوصفي، يمكن أن يوصف بأنه علم ساكن static إذ فيه توصف اللغة بوجه عام، على الصورة التي توجد عليها، في نقطة زمنية معينة، فإن علم اللغة التاريخي “يتميز بفاعلية مستمرة dynamic، فهو يدرس اللغة من خلال تغيراتها المختلفة. وتغير اللغة عبر الزمان والمكان خاصة فطرية في داخل اللغة، وفي كل اللغات، كما أن التغير يحدث في كل الاتجاهات: النماذج الصوتية، والتراكيب الصرفية والنحوية، والمفردات. ولكن ليس على مستوى واحد، ولا طبقا لنظام معين ثابت. هذه التغيرات اللغوية تعتمد على مجموعة من العوامل التاريخية. وبينما يمكن دراسة هذه التغيرات دراسة وصفية، هي محض تعريف بأشكال التغيرات الحادثة، فإنه لا يمكن عزلها عن الأحداث التاريخية التي تصاحب وجودها. وإذا كانت الوظيفة الأولى لعلم اللغة الوصفي، هي أن يصف، ولعلم اللغة التاريخي هي أن يعرض التغيرات اللغوية، فمن الصعب كثيرا الفصل بين النوعين في مجال التطبيق العملي؛ وذلك لأن كل المصطلحات التي استعملت تحت العنوان الوصفي قابلة من الناحية العملية للاستعمال مع الفرع التاريخي([8]) .

“وعلى الرغم من أسبقية علم اللغة التاريخي، في ميدان البحث اللغوي، ومن التقدم المطرد، الذي أمكن تحقيقه خلال القرنين الماضيين، فما زالت هناك جهود ضخمة يمكن بذلها، حتى بالنسبة لتلك اللغات التي لاقت اهتمامًا كبيرًا، فإن هناك اكتشافات ضخمة لكتابات مسجلة، ما تزال يتوصل إليها. ويجب كلما اكتشف شيء من ذلك، أن يعاد النظر في النتائج المقارنة السابقة التي كان بعضها فرضيا، ويدخل عليها من التعديلات ما هو ضروري، بعد الاستفادة من تلك الشواهد الجديدة … وهنا نجد المنهجين: التاريخي والوصفي، يدخلان في شكل انسجامي تعاوني مثمر”([9]).

المنهج المقارن([10]):

ليس المنهج المقارن إلا امتدادا للمنهج التاريخي، في أعماق الماضي السحيق، وينحصر في نقل منهج التفكير، الذي يطلق على العهود التاريخية، إلى عهود لا نملك منها أية وثيقة”([11]).

ومع أن المنهج المقارن، يولي وجهه شطر الماضي السحيق، فإنه في الواقع لا يؤتي ثمرته، إلا في اتجاه عكسي؛ لأنه يوضح تفاصيل اللغات الثابتة بالوثائق. وأظهر نتيجة لنحو اللغات الهندوأوربية المقارن، تنحصر في تحديد صلات القرابة بين هذه اللغات، فكل اللغات الفارسية، واللغات السلافية، والجرمانية، والرومانية، والكلتية، إذا اعتبرت من الوجهة الزمنية، تبدو للعالم اللغوي، نتيجة لسلسلة متتابعة من التباين لحالة لغوية واحدة، سابقة عليها جميعا، وتسمى باللغة “الهندية الأوربية”([12]).

“ويتضمن المنهج المقارن أساسًا، وضع الصيغ المبكرة المؤكدة، المأخوذة من لغات يظن وجود صلة بينها جنبًا إلى جنب، ليمكن إصدار حكم فيها بعد الفحص والمقارنة، بخصوص درجة الصلة بين عدة لغات، والشكل الذي يبدو أقرب صلة إلى اللغة الأم.

“ولعل الباحث يكون آمنًا، حين يقرر انتماء لغات متعددة إلى أصل مشترك، إذا وجد بينها تماثلًا كافيًا في تركيباتها النحوية، ومفرداتها الأساسية، وإذا لاحظ ازدياد قربها بعضها من بعض، كلما اتجهنا إلى الوراء”([13]).

“ويقدم لنا النحو المقارن نظامًا، تصنف فيه اللغات في أسرات تبعا لخصائصها، فبمقارنة الأصوات، والصيغ، تتجلى ضروب التجديد الخاصة بكل لغة، في مقابلة البقايا الباقية من حالة قديمة، وقد نجح اللغويون في أن يحددوا ما قبل تاريخ اللغات الهندوأوربية، ولكنهم لم يصلوا إلى معرفة من كانوا يتكلمونها، ولم يستطيعوا أن يحددوا أسلاف الإغريق أو الجرمان، أو اللاتين، أو الكلتيين، وإنما يعرفون فقط التغييرات التي مرت بها الجرمانية والإغريقية واللاتينية والكلتية، حتى وصلت إلى الحالة، التي تكشف عنها النصوص. أما الأسماء التي أطلقوها على اللغات، التي أعادوا بناءها فتحكمية، قد اتفقوا عليها مجرد اتفاق، فكلمة: الهندية الأوربية، إذا أخرجت من الاستعمال اللغوي، لم يبق لها أي معنى”([14]).

ومنذ نشأة طريقة المقارنة بين اللغات -وهي أصلا طريقة تاريخية- وهي تحظى بمكانة مرموقة في علم اللغويات، كما صارت البحوث اللغوية

التاريخية، وقفًا على كبار العلماء والباحثين، على حين استمرت الطريقة الوصفية كما كانت من قبل، طريقة عملية ذات نفع عاجل، تعالج تعلم الناس اللغات الأجنبية، وتعرفهم بالطريقة الصحيحة لاستخدام لغاتهم([15]).

هذا هو المنهج المقارن، وتلك هي حدوده، وقد تأثر به دارسو اللغات السامية، وقطعوا فيه شوطًا ليس بالقصير.



([1])  علم اللسان 453.

([2])  لغات البشر لماريوباي 73.

([3])  لغات البشر لماريوباي 73.

([4])  انظر: De Saussure Cours 9 – 15.

([5])  الألسنية أحدث العلوم الإنسانية 108.

([6])  انظر: R H Robins A Short history 200-201.

([7])  انظر: الألسنية العربية لريمون طحان 2/ 53.

([8])  أسس علم اللغة لماريوباي 137.

([9])  أسس علم اللغة لماريوباي 176.

([10])  حول المنهج المقارن وتصنيف اللغات، انظر:

R.H Robins. A short History of linguistics. london 1967.

وقد خصص المؤلف روبنز الفصل السابع من الكتاب المذكور لبيان تطور المنهج المقارن:

Comparative and historical linguistics in the nineteenth Century.

S. potter, language in the modern world. pelican 1960. 10, p. 144-162 B.E. vidos, Handbuch der romanischen sprachwissenschaft. Munchen 1968. s. 37-56.

([11])  اللغة لفندريس 375.

([12])  لغات البشر لماريوباي 74.

([13])   أسس علم اللغة لماريوباي 168.

([14])   اللغة لفندريس 375.

([15])   لغات البشر لماريوباي 74.

إكتب تعليقك